ما أجمل المعروف حين يمتد أثره إلى الناس وما أعظم الإنسان حين يكون مفتاحًا للخير مغلاقاً للشر يسعى في حاجة محتاج ويفرّج كربة مكروب ويقف إلى جانب من أثقلته ظروف الحياة.
غير أن للمعروف دوائر وأقرب هذه الدوائر وأحقها بالعناية دائرة الأهل والأقارب فهم أولى بالمعروف.
وذلك لا يعني حصر الخير في الأقربين أو غلق أبوابه أمام الآخرين فالخير لا وطن له ولا حدود والإنسان الكريم يتسع قلبه للجميع لكن من المفارقات المؤلمة أن يجود المرء على البعيد بينما يتجاهل قريباً منه في أمس الحاجة إليه وأن يسارع إلى مواساة الآخرين بينما لا يعرف شيئًا عن أحوال أهله وذوي رَحِمه.
وقد يكون المعروف مالاً أو ربما يكون اتصالًا أو زيارةً أو كلمةً طيبة أو وقفةً في ظرف صعب أو سعياً في قضاء حاجة أو إصلاحًا بين متخاصمين وأجمل المعروف أن يشعر قريبك أنك حاضر في حياته، وأن بينكما من المودة ما هو أكبر من المجاملات العابرة.
نعيش اليوم في زمن اتسعت فيه دوائر التواصل لكنها ضيّقت دوائر القرب الحقيقي وأصبح الإنسان يعرف أخبار أشخاص تفصل بينه وبينهم آلاف الكيلومترات بينما قد يجهل حال قريب يسكن في الحي نفسه.
أصبحنا نتبادل التهاني والتعازي عبر الشاشات ونضغط زر الإعجاب على مناسبات الأصدقاء وربما تمر مناسبات الأقرباء دون زيارة أو اتصال !!
وهنا تكمن المفارقة: حينما نبدو أوفياء أمام المجتمع بينما يعاني الأقربون من جفاف الوفاء.
والقريب حين يحتاج إلى قريبه لا يبحث دائمًا عن مساعدة مادية فقد يحتاج إلى سند معنوي يحفظ له كرامته وإلى شخص يفهم حاجته قبل أن يضطر إلى الإفصاح عنها فكم من قريب تمنعه عزة النفس من السؤال وكم من أسرة تمر بظروف لا يعلم بها أحد غير الله لأنها تتعفف عن إظهار حاجتها وعمل المعروف الحقيقي هو الذي يبحث عن هؤلاء بصمت ويصل إليهم بكرامة ويعطيهم دون منّة.
ومن أجمل صور المعروف بين الأقارب أن يكون الإنسان حاضرًا في الأفراح والأتراح قريبًا عند المرض سبّاقًا عند الحاجة متسامحًا عند الاختلاف.
والأجمل أن يكون المعروف للأقربين خالصًا من الحسابات فلا نزور لأنه زارنا ولا نعطي لأنه أعطانا ولا نقف معه انتظارًا لأن يقف معنا.
القرابة ليست أسماءً محفوظة في شجرة العائلة فقط وإنما علاقة تحتاج إلى السقيا وسقياها بالسؤال والزيارة والمودة والتجاوز عن الزلات.
ومن المؤسف أن تتحول بعض الخلافات الصغيرة بين الأقارب إلى جدران عالية من القطيعة وقد يكون الخلاف على كلمة أو موقف عابر أو سوء فهم وربما خلاف قديم ورثه الأبناء عن الآباء فيصبح الأقارب غرباء وهم من دم واحد.
وليس معنى ذلك أن القريب دائمًا على حق أو أن القرابة تبرر الخطأ وإنما تعني أن يكون للخلاف حد لا يتجاوزه إلى القطيعة والجفاء. فالاختلاف وارد بين البشر لكن الحكمة أن تبقى جسور الود قائمة حتى حين تختلف المواقف والآراء.
وفي مجتمعنا السعودي ولله الحمد ما زالت قيم التكافل وصلة الرحم والوقوف مع الأقارب حاضرة ومتجذرة ويكفينا ما نراه في مناسبات الأفراح والأتراح من تكاتف وتعاون وتآخي و كثيراً من الصور الجميلة التي تستحق المحافظة عليها وتعزيزها ونقلها إلى الأجيال القادمة لأن قوة المجتمع تبدأ من قوة الأسرة وقوة الأسرة تبدأ من تماسك أفرادها.
المعروف أيها السادة والسيدات تجارة مع الأخلاق قبل أن يكون تبادلًا للمصالح وصلة الأقارب قيمة لا ينبغي أن تخضع لميزان: ماذا قدموا لي حتى أقدم لهم؟
قد تبادر أنت عشرات المرات ويبادر قريبك مرة واحدة فلا تجعل حساب الأرقام يفسد عليك جمال الوفاء بل عامل الناس بطبعك فبعض العلاقات لا يحفظها العدل الحسابي وإنما يحفظها الكرم الأخلاقي.
أخيراً : يجب أن تعي أن الأقربون أولى بالمعروف لأنهم الأقرب إلى القلب والاسم والذاكرة ولأن الأيام تتغير والظروف تتبدل ولا يعرف الإنسان متى يحتاج إلى كتف قريبه أو دعوة صادقة منه أو يد تمتد إليه في وقت الشدة ولذلك استغلوا مناسبات الأفراح والأتراح للتغافل والتسامح ونسيان الماضي وفتح صفحة جديدة نقية زكية مع الاقارب وخيركما الذي يبدأ بالسلام ويسعى للوصال .
خاتمة: افعلوا المعروف مع الجميع ولكن لا تجعلوا الأقارب آخر من يصل إليهم معروفكم ودمتم سالمين .
عبدالله بن سالم المالكي
كاتب رأي ومستشار أمني
السبت 22 / 8 / 2026