عبارة جميلة تجدها مكتوبة على كل صهريج مياه للتذكير بأهمية المياه لأن الماء هو سر الحياة، ونعمة عظيمة امتنّ الله بها على عباده، فلا تستقيم حياة إنسان، ولا ينمو زرع، ولا يعيش كائن حي إلا بوجوده. ومن هنا فإن المحافظة على الماء ليست خيارًا، بل واجب ديني ووطني وإنساني.
وفي زمن تتزايد فيه التحديات المائية، وتتنامى فيه الحاجة إلى ترشيد الاستهلاك، يصبح هدر الماء سلوكًا لا ينسجم مع قيم المسؤولية والوعي فما يُهدر اليوم قد نفتقده غدًا وكل قطرة ماء تُحافظ عليها تسهم في حماية هذا المورد الثمين للأجيال القادمة.
وقد أرشدنا الإسلام إلى الاقتصاد في استخدام الماء حتى في العبادات فنهى عن الإسراف ولو كان الإنسان على نهر جارٍ في رسالة عظيمة تؤكد أن حسن استثمار النعم من شكرها.
كما أن ترشيد استهلاك الماء لا يعني الحرمان بل يعني الاستخدام الواعي بإغلاق الصنابير عند عدم الحاجة وإصلاح التسربات واستخدام وسائل الري الحديثة ونشر ثقافة المحافظة على الماء بين أفراد الأسرة والمجتمع.
والدول التي تنعم اليوم بأمن مائي لم تصل إليه بالمصادفة بل بالتخطيط والإدارة الرشيدة ووعي المجتمع. ومن هنا فإن مسؤولية الحفاظ على الماء تبدأ من الفرد قبل المؤسسة، ومن المنزل قبل أي مكان آخر.
وقد أصبح الأمن المائي أحد أهم ركائز الأمن الوطني إذ لا يمكن تصور تنمية مستدامة أو نهضة اقتصادية دون موارد مائية مستقرة وآمنة ومن هذا المنطلق أولت المملكة العربية السعودية اهتمامًا بالغًا بإنشاء خزانات المياه الاستراتيجية لتكون أحد أهم المشاريع الحيوية التي تعزز استدامة الإمدادات المائية وتوفر الاحتياطي اللازم لمواجهة الظروف الطارئة.
وتُعد خزانات المياه الاستراتيجية أكثر من مجرد منشآت لتخزين المياه فهي منظومة متكاملة تهدف إلى المحافظة على المياه وضمان استمرار وصولها إلى السكان وتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك كما أنها تسهم في رفع كفاءة إدارة الموارد المائية وتمنح الجهات المختصة القدرة على التعامل مع أي انقطاع طارئ أو زيادة مفاجئة في الطلب.
وتكتسب هذه الخزانات أهمية خاصة في المملكة العربية السعودية التي تعتمد بدرجة كبيرة على تحلية مياه البحر حيث تُخزن كميات كبيرة من المياه المحلاة لتكون جاهزة للاستخدام عند الحاجة وهذا يعزز موثوقية منظومة الإمداد المائي ويضمن استمرار الخدمات حتى في حالات الصيانة أو الأعطال أو الظروف الاستثنائية.
كما تؤدي الخزانات الاستراتيجية دورًا مهمًا في ترشيد استخدام الموارد المائية إذ تساعد على إدارة الكميات المنتجة بكفاءة والحد من الفاقد والمحافظة على استقرار الضغوط في شبكات التوزيع بما ينعكس إيجابًا على جودة الخدمة وتقليل الهدر.
ولم يقتصر اهتمام المملكة على إنشاء هذه الخزانات فحسب بل واكب ذلك تطوير مستمر في أنظمة المراقبة والتحكم واستخدام التقنيات الحديثة لمتابعة مستويات المياه وجودتها بما يضمن أعلى درجات الكفاءة والسلامة ويجسد رؤية وطنية بعيدة المدى في إدارة هذا المورد الحيوي.
ورغم الجهود الحكومية الكبيرة تبقى مسؤولية المحافظة على المياه مسؤولية مشتركة بين الجهات المختصة وأفراد المجتمع فوجود خزانات استراتيجية لا يعني التوسع في الاستهلاك أو إهمال الترشيد بل هو عامل دعم للأمن المائي بينما يبقى الاستخدام الرشيد هو الضمان الحقيقي لاستدامة هذه النعمة وجودة الحياة .
عبدالله بن سالم المالكي
كاتب رأي ومستشار أمني