ليست العلاقات بين الدول مجرد اتفاقيات تُوقّع أو بيانات تُعلن أو لقاءات تُعقد أمام عدسات الإعلام بل هي منظومة متكاملة تقوم على الثقة المتبادلة وحسن الجوار واحترام السيادة والصدق في المواقف.
وعندما تتوافر هذه المبادئ تزدهر العلاقات وتُبنى الشراكات وتُحل الخلافات أما حين تغيب فإن المشهد يصبح أكثر تعقيداً والعلاقات تصبح أشد توتراً .
وفي عالم السياسة لا تتعامل الدول دائماً بالمنطق ذاته ولا تنطلق من المبادئ نفسها فالمصالح عند الكثير هي التي تتحكم في العلاقات وربما يكون صديق اليوم عدو الأمس !!!
بينما هناك دول توجهاتها مكتوبة ضمن المباديء الأساسية للحكم وتستند على مالديها من قيمٍ راسخة ومباديء ثابتة لتجعل حسن الجوار أساساً لسياستها الخارجية وتؤمن أن أمنها واستقرارها مرتبطان بأمن واستقرار دول الجوار .
وهكذا هي مواقف المملكة العربية السعودية منذ عهد المؤسس طيب الله ثراه حتى عهدنا الحاضر والشواهد على ذلك كثيرة ومواقف المملكة مع شقيقاتها وجيرانها تُذكر فتشكر ونتذكر منها على سبيل المثال لا الحصر موقف الملك سعود والملك فيصل رحمها الله من القضية الجزائرية ومقولة الملك سعود الشهيرة للشعب الجزائري ( أنتم تدفعون ضريبة الدم ونحن ندفع ضريبة المال ) وموقف الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله أثناء غزو الكويت وجملته المشهورة ( يا نعيش سوا يا نموت سوا ) وكذلك موقف الملك عبدالله يرحمه الله أثناء المشاكل الداخلية في البحرين وأيضاً موقف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز أثناء طلب الرئيس اليمني الراحل عبدربه منصور مؤازرة الحكومة الشرعية اليمنية ولا ننسى موقف المملكة العربية السعودية أثناء الحرب الأخيرة التي نشبت بين إيران وإسرائيل بمساندة أمريكا و ما سخرته المملكة العربية السعودية لأشقائها في دول مجلس التعاون الخليجي من مطارات وموانئ وطرق برية وسلاسل إمداد .
وفي المقابل وللأسف الشديد توجد دول تتبنى سياسات تتسم بالغموض وتُظهر مواقف تختلف عن حقيقة نواياها فتقول شيئاً في العلن وتمارس شيئاً آخر على أرض الواقع وذلك الأمر هو الذي يضعف الثقة ويجعل التعامل معها أكثر حذراً.
لأنه مع غياب الشفافية تتسع فجوة الثقة بين الدول وتصبح التصريحات وحدها غير كافية للحكم على حقيقة المواقف بينما تبقى الأفعال هي المعيار الحقيقي لقياس مصداقية السياسات فالدبلوماسية ليست فناً لسبك الكلمات الجميلة وإنما هي أيضاً قراءة دقيقة للمصالح وفهماً عميقاً للسلوك السياسي واستشرافاً لما قد تحمله المواقف من أبعاد غير معلنة.
ومن هنا فإن التعامل مع الدول التي تتسم سياساتها بالتناقض أو الضبابية لا ينبغي أن يقوم على ردود الأفعال أو الانطباعات العابرة بل على دراسة متأنية ورؤية استراتيجية ودبلوماسية عالية تحفظ المصالح الوطنية وتُبقي قنوات التواصل مفتوحة دون التفريط في الثوابت أو الوقوع في فخ الثقة غير المحسوبة.
ولقد أثبتت التجارب الدولية أن العلاقات المستقرة لا تُبنى على الوعود وإنما على الالتزام ولا تُقاس بجمال الخطاب وإنما بصدق الممارسة فالدولة التي تحترم تعهداتها وتلتزم بالمواثيق الدولية تكسب ثقة المجتمع الدولي بينما تفقدها الدول التي تتبدل مواقفها وفق مصالحها الآنية أو تتعامل بازدواجية في خطابها وسلوكها.
وفي الختام يبقى حسن الجوار وأدب الحوار قيمة حضارية قبل أن يكون مصلحة سياسية وتظل الشفافية أساساً متيناً لبناء الثقة بين الأمم أما عندما يغيب هذان المبدآن فإن الحكمة تقتضي أن يكون الحوار قائماً بحذر وأن تكون الدبلوماسية حاضرة بوعي وأن تُدار العلاقات بعقلانية تُوازِن بين الانفتاح وحماية المصالح الوطنية والله من وراء القصد .
عبدالله بن سالم المالكي
كاتب رأي ومستشار أمني